
آثَارُ مُحَاسَبَةِ النَفْسِ فِيْ الدنْيِا وَالآخِرَة
بعد أن ذكرنا حقيقة النفس وبيّنا الفرق بين أقسامها وأشرنا إلى انقسامها باعتبارين مختلفين(علمي وعقائدي) رأينا من المناسب ذِكْرُ طرق محاسبتها ومراقبتها وتوجيهها توجيعاً صحيحاً وفعّالاً لأن ذلك يعنينا أكثر من معرفة حقيقتها وبيان أقسامها، فمن غير ذلك هذه الأساليب لا يبقى لباقي ما يتعلق بها أي شأن.
والغرض الأساسي من هذه البحوث هو الوعظ والتوجيه بطريقة دقيقة، أو قل بطريقة علمية إن صحّ التعبير إذ لا قيمة للبيان من دون توجيه، وما ذكرناه من مقدمات حول النفس وقواها يساعد على إدراك الأساليب التي تنقل النفس من السلب إلى الإيجاب، ومن ظلمة الجهل ‘لى نور المعرفة.
ولا بد من التركيز على حقيقة محاسبة النفس التي تحمل تلك الآثار الطيبة والنتائج الإيجابية.
فهناك نوعان لمحاسبة النفس في الدنيا بغض النظر عن يوم حسابها في الآخرة.
النوع الأول: هو الإختلاء بالنفس في أي وقت من الأوقات ومراجعة الحسابات والتدقيق فيما صدر عن النفس أثناء اليوم أو الأسبوع أو الشهر أو فيما هو أكثر من ذلك، ولكن أفضل طريقة لمحاسبة النفس هو كل وقت تسمح فيه الفرصة وإن كان أكثر من مرة في اليوم الواحد.
فيختلي أصحاب هذا النوع بأنفسهم ويكتشفون عدد الأخطاء التي ارتكبوها، ويقف الأمر عندهم عند مسألة العد فقط من دون تحريك أي ساكن يدفع بالنفس نحو الإرتقاء.
النوع الثاني: هو مراقبة الأفعال والأقوال واكتشاف الفاسد منها وتصحيح ما فسد منها على أن يكون الوقوع في الخطأ هذا اليوم درساً له حتى لا يكرر مثل هذا الخطأ فيما بقي له من عمره، فهو يكتشف الخطأ ويستغفر منه ويتوب إليه ويعاهده بعدم العودة إلى ارتكاب مثل هذا الذنب، وهذا هو المطلوب في محاسبة النفس، بل هو الطريقة التي تعود على صاحبها بالمنفعة إن سلكها بالشكل الصحيح لأنه أدرك بأن حساب النفس في الدنيا أمرٌ يسير في مقابل حسابها يوم القيامة، فيستغفر كيلا يصل إلى يوم الحساب، وهناك لا منقذ له من تبعات ما قام به في دار الدنيا، ولهذا نجد القرآن الكريم يصف المؤمنين بأنهم يسألون ربهم أن يعجّل حسابهم في الدنيا قبل حلول يوم الحساب فقال سبحانه في سورة ص(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ)
فمن آثار محاسبة النفس الدنيا الوقاية بمفهومها العام أي أنها تحفظه من شر النفس وتُبعد عنه شبح مخاطر السلوك السيء وتجعل منه إنساناً شبه متكامل.
أما آثارها في الآخرة فهو إرضاء الله سبحانه والفوز بالنعيم المقيم، وهذا ما يطمح إليه كل مؤمن، ومن هنا وردت الأحاديث الشريفة لتحث على محاسبة النفس من قِبل صاحبها قبل أن يحاسبها خالقها.
ومن آثار محاسبة النفس في الدنيا للآخرة هو أن الإنسان بمحاسبته لنفسه يخفف عنها أعباء الحساب يوم لقاء ربه.
إن أول من دعانا إلى محاسبة النفس هو الله تبارك وتعالى الذي جعل في ذلك رحمة لنا فقال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
أيها الإنسان.. هل فكرتَ في قول الله عز وجل(يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ){الإنفطار/19}
هل فكرت في قول ربك(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)
هل نظرت في قول خالقك متأملاً(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)
هل فكرت في كل ما علّمك إياه ربك؟
الجواب عندك.
ولكي نفهم هذه الطرق بشكل أفضل نعود إلى ما ورد عن المعصومين(ع) في هذا الشأن، فقد جاء في خطبة للإمام علي(ع) في نهج البلاغة:
” عِبَادَ اللهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا زَاجِرٌ وَلاَ وَاعِظٌ”
إنه(ع) بهذه الكلمات النورانية يناشد عباد الله سلوك طرق الخير لهم في الدنيا والآخرة فيطلب منهم التنفس قبل أن يأتي يوم لا يستطيعون فيه ذلك، وهو تعبير مجازي بلا شك، فإن الإمام(ع) يريد أن يوضح لنا نقطة هامة، وهي أننا ما زلنا نملك الفرصة للتصحيح والخلاص والحركة بحرية عبر رقابة النفس ومحاسبتها، فإذا لم نكن نحن عوناً لأنفسنا فلن نجد من يعيننا عليها، ومن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ.
وفي خطبة أخرى له(ع) يُفصح في الموعظة أكثر فيقول:
“أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا، أَلاَ وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ”
صحيح أن الدنيا دار عمل لا حساب فيها، ولكن من ألطاف ربنا علينا أنه جعل لنا مجالاً للحساب في دار العمل ليكون هذا الحساب في الدنيا ذاباًّ عنا بعض أهوال يوم الحساب.
أَنْوَاعُ مُحَاسَبَةِ النَّفْس
لم أشعر بأن القلوب شبعت مما ذكرناه حول محاسبة النفس فرأيت من الأنسب أن أزيد البحث إيضاحاً من باب الإستفادة، ومن باب إتمام الحجة حول هذا الأمر الشيق.
إن محاسبة النفس نوعان:
النوع الأول: ما يأتي قبل العمل:
ولعله من أكثر الأنواع انتشاراً بين المؤمنين، ورغم كونه منتشراً إلى هذا الحد تبقى الحاجة ملحة من تسليط الضوء على جوهره.
ينظر العبد إلى العمل، فإن كان ضمن حدود قدرته قام به كالصلاة والصوم، وإلا اندرج تحت عنوان لا يكلف الله نفساً إلا وسعها كالجهاد بالنسبة لمن أخرجهم الله عز وجل عن دائرة التكليف.
ثم ينظر إلى العمل مرة ثانية، فإن كان فيه خيرٌ له في الدنيا والآخرة أو في الآخرة خصوصاً قام به وإلا استغنى عنه.
ثم ينظر إلى تفاصيل أخرى فيحدد المصلحة ويقوم بها كما حاله في مراقبة العمل كونه لله أم لغير الله، فإن كان لله تقرّب به إليه وإلا تجاوز عن فعله، وهكذا.
النوع الثاني: ما يأتي بعد العمل:
ويمكن تلخيص محاسبة النفس بعد العمل في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: محاسبة النفس على التقصير في الطاعة، مما يسبب له حرماناً لبعض الأجر، كما لو طلب أحد من الناس منه مساعدة ولم يقم بها وكان بإمكانه القيام بها ولكنه استسلم للهوى فلم يغتنم الفرصة ففاته أجرٌ وثواب، هذا فيما إذا لم تكن المساعدة مندرجة تحت الضروريات الشرعية وإلا كان القيام بها واجباً.
فهنا يجلس بينه وبين نفسه فيؤنبها على هذا التقصير وينظر أقرب فرصة للتعويض.
الأمر الثاني: وهو يقابل الأول من حيث الماهية، ولكنه هذه المرة ينحصر في ترك شيء وليس في فعل شيء، كما لو قام بعمل مكروه لا عقاب عليه، فيندم ويعاهد ربه أن لا يقوم بمثله ثانية.
الأمر الثالث: وهو محاسبة النفس على بعض المباحات، فهذا الأمر ليس مطلوباً شرعياً ولكن القيام به يساعده على محاسبة نفسه كيلا تقع في الأعظم.
وبعد ذلك كله نستطيع أن نكتشف الكثير من الفوائد التي تعود على محاسب نفسه، والتي كان منها معرفة حق الله تعالى، ومقت النفس الأمارة بالسوء، والشعور بالندم أمام أي تقصير بفعل أو ترك، والزهد في الدنيا، والإجتهاد في طاعة، وغيرها الكثير من الفوائد المعلومة وغير المعلومة.
فهناك ميزان في الأمر، فإن التشديد على النفس في الدنيا يريحك كثيراً في يوم الحساب، وهذا أهم سبب للإنكباب على محاسبة النفس والإستمرار بهذا السلوك الإيماني العظيم.
وإليكم في ختام البحث موعظة من مواعظ الإمام علي(ع) الذي قال:
“وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ”
واعلموا أيها الأعزاء أن أعجز الناس هو من عجز عن إصلاح نفسه وتأديبها.
الشيخ علي فقيه



